|
|
| |
|
قصة |
| |
التوأم |
|
| |
Dr.Cawidan
Hado
بخلاف الجميع الذين بدأوا الرقص والتصفيق،
وأطلقوا الصيحات والزغاريد، سيطر علي حزن شديد،
وبدوت وكأن أحدهم قد أطبق قبضته على عنقي.
نهضت متململا و توجهت صوب الباب بخطى ثقيلة ثم
طرقته بقوة وأنا أهم بالخروج.جلست على حجر غير
منتظم الشكل اعتدت الجلوس عليه بقرب الباب ثم
التقطت عودا وبدأت أخط به خطوطا غير منتظمة
الشكل على التراب المنقوش بحوافر الاغنام حين
مرت سيارة أمنية جاءت لتزيد الطين بلة مرسلة
فوقي سحابة من غبار تراب الرصيف الذي وعدنا به
منذ أكثر من خمسة سنين، وسحابة أخرى محملة
بالخوف والالم والقلق.
مولود جديد مصيبة كبرى وفاجعة أكبر،المصاريف
ستزداد(حليب، فوط، ثياب ،احذية...الخ) كم
ستكلفني هذه حتى يستطيع ضيفنا-وأي ضيف ثقيل
الظل هذا-المشي على الأقدام.
المشي على الأقدام لست أدري لماذا أقولها
وكأنه حين يمشي ستنتهي مصاريفه وكأنه لن يذهب
الى المدرسة حقا إنها فاجعة كبرى علي اذا
تامين مصاريفها هي الاخرى لعينة أنت أيتها
المدارس ندفع لك الكثير دون أن يتعلم أطفالنا
منك شيئا وليسوا يحفظون سوى النشيد الوطني عن
ظهر قلب و دون فهم معناه وماعدى ذلك يقولون:
إننا لا نفهم من اساتذتنا، إنهم يتحدثون لغة
لسنا نفهمها. وما دام الأمر هكذا لن أدخله
المدرسة وليتعلم ذاك النشيد ان كان العلم
محصورا فيه من أخيه برو وستاتخلص من كل تلك
التكاليف انها فكرة رائعة حقا ولو إنها خطرت
لي منذ البداية لما أدخلت برو المدرسة أيضا.
رفعت رأسي حين لسعتني إحدى البعوضات المنتشرات
،نظرت إليها ثم أمسكت بها وقربتها من
عيني:"تبدين وكإنني أعرفك ألم أقل لك إنك
ستموتين من الجوع لو بقيت تحومين حولي،إذ لا
دماء في جسدي ،ربما أحتاج انا إلى الدماء التي
تسري في جسدك -فكرت بحق ان ابتلعها- لكني
تراجعت عن ذلك ثم تركتها لترحل(العفو عند
المقدرة من شيم الكرام،هكذا فكَرت)".
ملئت رئتي بنفس عميق من رائحة نهر الجغجغ التي
أصبحت هي الأخرى جزء من حياتنا اليومية وإحدى
المواضيع الرئيسية التي تتلوها النساء في هذا
الوقت ، وقت المغيب ،حين تجتمعن على شكل حلقات
(نازي، شكرو، رشي، كريمة، فاتي،ديا شيرو.....)على
أطراف الشارع، وقرب الأبواب، الى جانب العديد
من المواضيع التي تشغل الكثير من تفكير رؤوسهن
الملفوفة( بالهربي)" الى جانب اسعار البندورة
والخبز والخيار":( اليوم الريح غربية مشكلة
ستكون الرائحة شديدة كيف سننام،اليوم لا توجدد
رائحة شئ جيد ولكن سيكثر البعوض ) وهكذا
وكانهم اعتادو على حياة احلى شئ فيها مر.
لمعت في رأسي فكرة أخرى راقت لي كثيرا فامسكت
برأسي كي لا تطير منه،من قال أنه يتوجب علي ان
اشتري له كل تلك الثياب فليلبس ثياب( برو)التي
لم تعد تناسبه ولتقم أمي بإجراء بعض التصليحات
عليها ثم ستبدو وكأنهاجديدة، رحمة الله عليك
يا ابي -والرحمة تجوز على الميت والمقعد صحيح
انك سبب البلاء الذي حل بي،إذ لم تكف عن صناعة
الاطفال-رغم مرضك-و الذين أتكفل أنا بمصاريفهم-
الآن بدأت أفهمك نعم لقد كانت ثياب أخي
الأكبرمني( بوزو) ملائمة لي وجميلة، نعم
وجميلة جدا وبخاصة تلك القطع على المرفقين
والركبتين والتي كانت تبدو غريبة بعض الشئ عن
القماش الاصل.
شعرت حينها ببعض الأمل يسري في جسدي لم يكن
الامر معقدا كما تصورته في البداية -على الاقل
في العشرين سنة الاولى الى أن يلتحق
بالجيش-ومع تذكري لهذا الكابوس شعرت وكأن
عاصفة هوجاء قادمة نحوي نظرت الى طرف الشارع
كانت أغنام جارتنا( فاتي) متجهة نحوي وهي تثير
وراءها سحابة من الغبار بدت وكأنها تتقصد
إثارتها لأنها ضجرت وسئمت سياسة التقشف التي
تمارسها( فاتي) بحقهم بعد أن أصبحت هذه
الاغنام مصدر رزقها الوحيد بعد اصابة ابنها
الوحيد( شيرو) المشلول برجله اليمنى بالشلل
التام من جراء التعذيب الذي تعرض له بعد
اعتقاله من دون سبب -ربما لانه كان يرعا
أغنامه ،أو لأنه كان يجلس أمام بسطته في سوق
الهال-..!؟.
الجيش، الجيش، الجيش، فكرت مليا.. هنا تكمن
المشكلة، المشكلة الكبرى، سيتوجب علي حينها أن
أربط جيوب ضباطه بمصرف المدينة مباشرة فالجيش
عندنا يستهلك اكثر من مصاريف الزواج، نعم ربما
لانه جيش مؤمن بعقيدته و مدافع عن قضايا أمته
وهوالذي سيطرد المحتل وسيسترد كل الاراضي
المغتصبة، أي جيش هذا، ونصف العساكر جالسون في
بيوتهم لا يزورون قطعهم العسكرية إلا في نهاية
الشهر ليدفعوا لضباطهم ثم يعودوا أدراجهم ،
والبقية يعملون كخدم في مزارع هؤلاء، ومن لم
يكن من النوعين تقع على عاتقه كل المسؤوليات
ومهمة تطبيق كل القوانين هذا بالاضافة الى
التعذيب الذي يتلقاه لانه لا يشكل مصدر رزق
لضباطه.
التعذيب....حامت هذه الكلمة فوق رأسي كتلك
البعوضة ثم تحولت هذه البعوضة الجديدة الى
فكرة، فكرة جديدة ،قد يقتل هناك، نعم قد يقتل
أثناء تأديته لخدمة العلم (العسكرية) فقد درجت
في الآونة الأخيرة عادة قتل الشباب الكرد
أثناء تأديتهم لواجبهم الوطني بأيدي رفاقهم من
غير الكرد وبإيعاز من حاملي النسور والسيوف
والنجوم على اكتافهم.
هكذا ساتخلص من كل تكاليفه وخاصة تكاليف
المحاماة ومصاريف السجن ،لانه وإن أتم خدمة
العلم سيستمر في رضاعة ثدي تلك الملعونة
المسماة (السياسة) والتي لا يخلو منها بيت من
بيوتنا، وسيلقى القبض عليه، وسيحاكم -هذا ان
حوكم- بتهمة السعي الى اقتطاع اراض من الدولة
ومحاولة الصاقها بدولة أجنبية، أو بتهمة
التجسس ، او محاولة إثارت النعرات الطائفية،
وما الى ذلك من التهم الجاهزة التي اعتداد
النظام الصاقها بكل كردي يلقى القبض
عليه،وسيسجن بعد ذلك عدة سنوات وستزداد
المضايقات الأمنية لبيتنا وسأضطر لدفع المال
لكل عنصر أمني يأتي الى بيتنا وبذلك سأدفع
المال لكل الفروع الأمنية (المخابرات العسكرية،
المخابرات الجوية ،أمن الدولة، ،والجنائية....).أواه
ما أكثرها فبلادنا هي صاحبة الرقم القياسي في
كتاب غينيس من حيث كثرة عدد الفروع الامنية .
وانا غارق في التفكير انكسرت العصاة في يدي
وشعرت وكأن أحدعناصر الأمن قد أمسك بي حين حطت
يد على كتفي وهزتني بعنف ،صحوت من النوم على
صوت أختي وهي تقول لي ..بيروزبة (مبروك)...بيروزبة..
لقد أنجبت امي توأما....وقفت منتصبا قبل أن
تكمل ، وأنا نصف صاح ونصف نائم، كدت أضرب رأسي
بالحائط...توم...توم يا جماعة توم...سأقتل
نفسي، سأتخلص من هذه الحياة.
توجهت صوب الباب وأنا أغمغم بكلامات غير
مفهومة ،فتحت الباب ثم صفقته بقوة، جلست على
الحجر الذي اعتدت الجلوس عليه..التقطت عصاة
كانت مرمية هناك.
أكملت أختي تعال وانظر اليهما ..(ممو).. كم
هما جميلتان سنسميهما (قامشلوكي ونوروز) ما
رأيك.
رن صدى الاسمين في أذ ني ،تذكرت الحلم انتابني
شعور بالخوف، نظرت حولي ثم عدت الى الداخل
مسرعا.."اخفضي صوتك مرة اخرى".
نظرت الى الصغيرتين ،بدأت العواطف تتلاعب في
صدري ثم تبادر الى ذهني- حين استعدت اسم
قامشلوكي وانا أمعن النظر في إحداهما- أحداث
12 آذار من عام 2004 والانتفاضة الباسلة حين
اقسمناحينها:على أن نسمي كل مواليدنا باسم
قامشلو وقامشلوكي كي تبقى ابدا قامشلومدينة
تنبض بالحياة، مدينة للحب والسلام، ثم جاء اسم
نوروزليبعث الانتعاش في صدري وليعيد ني الى
قصة مم وزين ، الى الربيع، الى الأزهار، الى
الندى ،الى النسيم.
مددت يدي اليهما اتلمس الحياة في وجنتيهما ،غطت
الابتسامة شفتي حين لمستهما، انتابني شعور
غريب ورغبة عارمة في تقبيلهما متناسيا كل ما
حلمت به ثم نظرت الى أختي :"إنهما جميلتان
وربما كنت مخطئا في حق أبي حين قلت بأنه لا
يعرف صنع الأشياء الجميلة ولكن الأجمل في
الأمر أن سيارة الأمن لم تمر من أمام الباب...
|
|
|
|
|
|