۞ عربي     ۞  Kurdi      ۞  Deutsch     ۞ English

 
أخبار ۞   
بيانات ۞   
مقالات ۞   
لقاءات ۞   
موسيقى ۞   
أدب و فن ۞   
صور من كردستان ۞   
المكتبة الالكترونية ۞   
مواقع أخرى ۞   
الاتصال بنا ۞   
الأرشيف ۞   
 
Google

 

قصة

 

عيونك الزرقاء ياأمي

 
 

 

يوسف عبدي

عيونكِ الزرقاءُ وحدها يا أمي تؤنس وحشة قبري... دموعكِ الغالية وحدها يا أمي تدفئ برودة عالمي... وحدها تلك العيون ترافقني بعدما رحل الجميع...

وحيداً.. بعيداً أضحى جسدي المدمى، يحكي للتراب قصة ـ عمري القصيرـ الطويلة..؟؟.

"كان ياما كان في قريةٍ شرقية على حدود الشمس، في وطن منسيٍّ على الخارطة ومتوارٍ بين صفحات التاري ;خ.. فتحَ المولود قاسم عينيه الواسعتين ورموشه الكثيفة في عائلةٍ كثيرة ا لعدد، تئنُّ تحت ركام الزراعة والرعي.. فأتتْ صرخته الأولى مستغيثةً في حضنٍ دافئ راحل..!!.

بكى الرضيع قاسم مع ثغاء الخراف العديدة.. وحبا على أزهار المراعي وخضرة أودية (قَسروكة)... ثم قفز مع الجداء وطار مع الفراشات...

طاردَ الطفل قاسم عصافير الربيع وتسلّق شجرة التوت اليتيمة... تنقّل بين صخور (كَنْﮔه لو) وأشجارها، واختبأ بين كروم (كلهي) وتلالها...

ارتدى الصبي قاسم الصدرية الترابية، إنه اليوم الأول... كان آخر ما فارقه قبل لقائه بوابة المدرسة هي تلك العيون الزرقاء نفسها بعد أن زرعت الثقة في قلبه الصغير، وأودعتْ له أملاً في المستقبل الذي سيفتح ذراعيه بين هذه الجدران...

تدرّج التلميذ قاسم في سلم الدراسة... خلّفَ وراءه صفوفاً ستة وكتباً عديدة بلغة بعيدةٍ عن لسانه ومعانيه... ورغم أنه أجادها لكنها لم تثنِه عن دروب الرحمة والإنسانية التي ارتشفها من رقة أمه وصبر أبيه.

ولبس الفتى قاسم مرحلةً جديدة ومعها ثياباً أخالته عسكرياً وليس طالباً على مقاعد العلم..!!.. أمعنوا في زرع كراهية الآخر وتقديس أنفسهم في قلب ال ;قادم الجديد بعيداً عن القرية والعيون الزرقاء.. كل ما في هذه المدينة الصغيرة توحي بالكردية التي تربّى عليها ما عدا دوائرها ومدارسها وجور قوانينها.  

وكغيره من فتيان جيله التفَّ حول جذوره ليكون في مأمن من تيار الإنجراف، وفَهِمَ مثلهم لعبة الأقدار والأنظمة.. غير أنه أيضاً عجز عن فهم مأساة الانشقاق ومتاهة التخبط..!!.

أتمَّ الطالب قاسم مرحلته الثانوية وانضم إلى معهدٍ في مدينته الكردية البعيدة، وقد زادت روحه دعابة ومرحاً، وصار يزيّن جلسات الزملاء بخفة ظله وفكاهة نكاته.. وحده كان يقهر حزناً ـ قهرَ الجميع ـ بتفاؤله وابتسامة عينيه.

وأدرك الشاب قاسم السواد المستتر وراء ألوان الضحك الزاهية، وتيقن من ظلمة الغد، فهو لا يرسمه في شيء بل الآخرون... وحدها ذات العيون الزرقاء تشدُّ من عزيمته: " يا ولدي! غدكم أفضل من ماضينا...".

وحين تخرّجَ من المعهد أعاد رسم الواقع اللامتناهي بأبوابه الموصدة أمام أية بادرة أمل في بلدٍ كل ما فيه يقزِّمُهُ إلى ما وراء الهامش .

جلس الرقيب أول قاسم في خيمته وحيداً بلباسه العسكري الكامل.. ودارت آلة الزمن في خياله... طفولته... صباه... دراسته... موطنه... أحزابه وكفاحهم... شعبه وبؤس هم، ثمَّ خدمته العسكرية دفاعاً عن وطنٍ ليس له فيه شيء..؟!.. وبحثَ عن جواب السؤال نفسه (لماذا كُتِبَ علينا أن ننتمي إلى مَنْ يرفضنا؟!..).    

واستمر المخلص قاسم متفانياً في مهامه حتى دفع التاريخ بآذار ثانيةً ومعه تخطيط وشتائمٌ وحجارة، ثم عساكر ورصاص وقتل... وبعدها وحدةٌ عفوية فَرّقتها تعددية الخطاب.. جنازات ومستشفيات.. حشود ولافتات.. سجناء ومفصولين.. وماذا بعد..؟؟...

جنود يُقتلون بعيداً عن الجبهة... تتوالى الجثث القادمة من معسكرات الجيش متجهة نحو الشمال الشرقي.. وذنبهم الوحيد عجزهم عن إثبات عدم كرديتهم..!!.

واعتلى الشهيد قاسم صهوة النعش ليجوبَ آخر مرة أزقة (كلهي)، وليحدّقَ آخر مرة بوجوه أصدقائه الحزينة، ويخطفَ نظرةً أخيرة من الزرقةالمبللة بالدموع..!".

أمي! رصاصاتهم الثلاثة أغتالت جسدي، وافتراءاتهم بانتحاري أرهقت روحي..

خانوني حياً وشهيداً ولكن عيونك الزرقاء لازالت تهبني الأمان... عيونك الزرقاء يا أمي ترسم دربي إلى الخلود.. حسرتك الأبدية أسمعها.. لعيونك الزر قاء وحدها يا أمي سأحكي قصتي من جديد.

  إهداء إلى روح الشهيد قاسم حامد ....

 

 

 

info@kurdroj.com

 

 

۞
۞۞
۞
۞۞
۞


©www.kurdroj.com
Vebūna malperź 21.06.2005