| |
محمد محمد ـ
ألمانيا
كثيرا ما يتبادر في أذهان المهتمين الكرد،
بالتساؤل وبالامعان حول المصائب والتراجيديات
التي ألمت بالشعب الكردي, وما آلت اليه أحواله
التي أصبحت عقدة تساؤلات حتى لدى العديد من
الباحثين والكتاب الدوليين أيضا، وذلك نظرا
الى أن هذا الشعب كان قد شكل منذ آلاف السنين
ولايزال يشكل أغلبية ساحقة في جغرافيته
المترامية التاريخية والحالية، أي لم ينحل
قوميا مثل بعض الشعوب الأخرى في مراحل صعبة،
رغم تعرضه الى الويلات والتهديد من قبل الغير,
وكيف رغم ذلك لم يتمتع حتى الآن بدولته الخاصة
أسوة بالشعوب المجاورة الأخرى المتمتعة بدولها
القومية الخاصة!
فان تلك المصائب الكبيرة، التي نتجت واستمرت
على مدى قرون طويلة، منذ بدايات الفتح
الإسلامي عموما، ومرورا بالعهد العثماني خصوصا،
وما رافق ذلك، من تبدل وانعطاف سلبيين كبيرين
في جوانب الحياة القومية والاجتماعية
والاقتصادية لدى الكرد، الى درجة, أنهم حتى في
العصر الحديث القريب، في مرحلة تفكك الخلافة
العثمانية، وتشكيل دول عديدة في المنطقة من
قبل الحلفاء الأوروبيين على اثر ذلك التفكك،
لم يتمكنوا, وللأسف الشديد, من تهيئة أنفسهم
بغية استثمار تلك الفرصة الموءاتية آنذاك،,
وذلك عبر التنظيم, التماسك والنضال، وكذلك
القيام بالتواصل والترحيب والتعاون مع الحلفاء،
بغية تشكيل كيانهم القومي المشروع كغيرهم،
بعكس الأرمن واليونانيين وحتى بعض القبائل في
صحراء الجزيرة العربية، الذين هبوا بتصميم قوي
آنذاك بالتعاون مع الحلفاء لمقاومة العثمانيين.
بل وقد قاوم الكرد, وللأسف الأشد, قوات
الحلفاء في تركيا، سوريا وفي العراق خلال قدوم
واستقرار تلك القوات في المواقع المحررة. أي
كان عمل الكرد ذلك، كعمل الذي يقطع الشجرة من
تحت أرجله. ومن ثم تعرض الكرد، وخصوصا خلال
ظروف الحرب الباردة السوداء, لشتى صنوف
الاضهاد من قبل السلطات الدكتاتورية الشوفينية
الغاصبة لكردستان وبتعاون العناصر المتنفذة
المتآمرة المتواجدة بين الكرد مع تلك السلطات.
كل ذلك شكل تراجيديا تاريخية مفروضة، لاتزال
تلقي بظلالها السلبية على مصير هذا الشعب
المهدد، وذلك نتيجة لأخطاء ذاتية قاتلة, وظروف
موضوعية تاريخية طارئة قاهرة، أودت, ولقرون
طويلة ولاتزال، الى مصادرة قراره الحقيقي
بخصوص ادارة وتنظيم ذاته في جغرافيته
التاريخية.
وهكذا تكتفي الحلفاء بتشكيل ذلك التوازن في
المنطقة وتزداد وتيرة الصراع بين الغرب
الرأسمالي والشرق الاشتراكي الشيوعي، خصوصا في
زمن الحرب الباردة السوداء المملة، ويتم تدليل
السلطات الشوفينية الدكتاتورية الغاصبة
لكردستان من قبل هاتين المعسكرين المتصارعين،
ودون أن يهتمان بمسائل قمع واضطهاد الشعوب
هناك، بسبب شدة الصراع القائم بينهما على
تقاسم النفوذ. فيبدأ الكرد بالاستيقاظ متأخرين،
خلال معمعان ذلك الظرف القاسي، ويقومون رغم
العوامل الذاتية والموضوعية الغير مهيئة
بالنضال السياسي والمسلح تبعا لطبيعة كل جزء
كردستاني للمطالبة بحقوقهم القومية
والاقتصادية والاجتماعية المشروعة، ويقدمون
تضحيات مادية ومعنوية كبيرة جدا، ولكن دون
تحقيق مكاسب هامة تذكر.
فبعد انتهاء الحرب الباردة تلك, بدأ الغرب
الديمقراطي الى حد ما, بالاهتمام النسبي
الاستراتيجي بالقضية الكردية, وخصوصا في الجزء
الجنوبي، فدافع بقوة لاصدار قرار دولي لمجلس
الأمن سنة 1991 بعد الانتفاضة والهجرة
المليونية ( وهنا تأتي أهمية النضال في الظروف
الدولية المهيئة), بانشاء بعض المناطق الآمنة
هناك، ومن ثم مواصلة ذلك الغرب حماية تلك
المناطق ( بشكل أقوى أمريكا- بريطانيا) حتى
تحرير العراق سنة 2003 ، وذلك رغم تكاليف
ومعارضة السلطات الغاصبة المجاورة وحتى الغير
المجاورة لتلك الحماية, ورغم مقاتلة PDK ، YNK
، PKK، لبعضها البعض، وتعامل العديد من قيادات
تلك الأطراف مع السلطات الغاصبة، لتضر
بالمصالح الإستراتيجية للشعب الكردستاني،
ولتضر بالمشروع الغربي الديمقراطي في الشرق
الأوسط أيضا.
وحتى، ان أحداث 11.09.2001 الارهابية في USA ،
جاءت من قبل المجموعات الارهابية المدعومة
والمحرضة من قبل السلطات الغاصبة لكردستان،
ومن قبل بعض السلطات العروبية النفطية في
الخليج, كانتقام ضد الغرب، على حمايته لأولئك
الكرد المضطهدين والمهددين، وعلى مساعيه
الجدية بدعم قوى الحرية والديمقراطية في الشرق
الأوسط .
غير أنه، رغم ذلك، استمر الغرب بتلك الحماية،
ومن ثم حرر العراق من همجية البعث، ولايزال
يصعد الضغوط المباركة على سلطة البعث الشوفيني
الهمجي الآخر في سوريا، بغية تحرير الشعوب
السورية منها أيضا.
وفي ذلك، الجو البهيج، وبعد سنة من تحرير
العراق، حيث كان الشعب الكردي بشكل خاص،
والشعوب التواقة الى الحرية والديمقراطية بشكل
عام في المنطقة, قد سلحوا تفاؤلا وحماسة بقدوم
ذلك المبتغى العزيز، ألا وهي الحرية والسير في
طريق الديمقراطية والرفاهية, واذا ببعض جهات
السلطة وعن طريق بعض الشوفينيين وميليشياتها
البعثوية تقوم باستفزاز كبير للكرد في مدينة
القامشلي في 12.03.2004 يوم مباراة رياضية
هناك. أي أن السلطة نفسها هيئت بهستيريا غبية
جدا تقديم الفرصة الموءاتية المتأملة أصلا،
بأن تنتفض وتنهض الجماهير الكردية، انتفاضة
ونهضة الأسود والأبطال، وفي مختلف مناطق
كردستان سوريا، مضحية بكوكبة من الشهداء
والجرحى الكرام, لتعبر عن تطلعاتها القومية
والاقتصادية والاجتماعية التحررية، ولتتحدى
وتدين الممارسات الشوفينية والاستفزاية
المرتكبة من قبل تلك السلطات وأعوانها الهمجية.
أمام هذه االحشود الجماهيرية المتحمسة
والمنتفضة، تفاجأت تلك السلطات وميليشاتها
البدوية ومعهم حتى بعض السلطات المنتمية الى
جلدتهم، محتارة, ومحركة كافة أدواتها
التقليدية السوداء، والحديثة الشاحبة
المتواجدة بين الكرد، بغية ايقاف ذلك الطوفان
الكريم، قبل أن يتمدد بشكل أوسع الى نوع من
الهجرة المليونية باتجاه الأجزاء الكردستانية
الأخرى، وفي ظل ذلك الوضع المضغوط فيه تلك
السلطة من قبل التحالف EU-USA الديمقراطي،
والذي كان سيحتم التدخل الدولي في هذا الشأن
وفق المواثيق والقوانين الدولية الداعية الى
التدخل، بغية ردع جرائم وغرور السلطات
المتوحشة بحق الشعوب الآمنة المهددة. وفي هذا
الاطار، ورغم استمرارية الانتفاضة المباركة
لأيام معدودة جدا، تعالت أصوات وتنبيهات رسمية
ومدنية نسبية ل EU-USA، محذرة لتلك السلطة من
قمعها للسكان الآمنين الذين يهبون للتعبير عن
آرائهم بشكل مدني مشروع. وكذلك قيام الرئيس
المصري الذي يعتبر نفسه من الأمناء المزعومين
الحريصين على الأمن القوموي العربي
الاستراتيجي، بزيارة خاطفة آنذاك الى سورية،
لينصح السلطة هناك بالضرورة القصوى للعمل فورا,
وكيفما كان, على ايقاف انتفاضة الكرد تلك،
مذكرا ومنبها لها من حدوث تجربة ونتائج
انتفاضة وهجرة الكرد المليونية في كردستان
الجنوبية سنة 1991 ، والتي آلت آنذاك وبدعم
قوي من الغرب الى اقرار مجلس الأمن الدولي
لانشاء بعض مناطق آمنة بحماية دولية. وهكذا
عجلت السلطة وبمساهمة بعض المتعاونين
الاستراتيجيين معها المتواجدين بين الكرد من
ايقافها بأقصر وقت. فلو استمرت تلك الانتفاضة
على الأقل عدة أسابيع، كانت من الممكن جدا،
ووفق تلك الفترة المناسبة، ان تحدث وتحقق
أهدافا ايجابية للشعب الكردي في سوريا أيضا،
شبيهة لنتائج انتفاضة الكرد الجنوبيين لسنة
1991 . وهنا لابد من الاشارة الى الحقيقة
التالية: بأن الحركة الكردية لم تكن مخططة
ومهيئة للانتفاضة، بل ان السلطة هي التي
سببتها فجأة، ولكن في الواقع أيضا، وبعد
حدوثها، كان من الواجب أن تجتمع وتعمل الحركة
بكل جدية ومسؤولية، لتتكيف وتتناسب مع الحدث
ومحاولة ادارتها وتنظيمها وتشجيع الجماهير
الكردية على استمرارها، على أمل استثمارها
للوصول الى الأهداف المرجوة. حيث أن الفرص
المناسبة الشبيهة بتلك، هي نادرة، وبالتالي
تتحتم المسؤولية والواجب أن تكون الحركة
السياسية الكردية المعاصرة قد استفادت من
تجارب التاريخ المشابهة التي كانت تضيعها
الحركات الكردية في مراحل سابقة، قبل أن يمر
هذا الظرف الذهبي الحالي سدا أيضا، وخصوصا بات
الآن أحيانا تظهر ملامح نوع من التغيير في
السياسة الغربية بخصوص استراتيجيتها الشرق
الأوسطية. حيث ان الظرف لاينتظر لنا طويلا،
فيجب علينا أن نهيء امكانياتنا ونبادر العمل
المسؤول فور قدوم الظرف الموءاتي. وعلى العموم،
ورغم ايقاف تلك الانتفاضة بسرعة، وكذلك بالرغم
من تقصير الحركة، فانها ولدت بعض الفوائد
المتواضعة، ولكن يتطلب أن نهيء امكانياتنا
الذاتية في الظروف الدولية الموضوعية
المناسبة أيضا، لكي يتم نيل حقوقنا الادارية
القومية والاقتصادية المشروعة
|
|