| |
زيور العمر
في 5/10 مرت الذكرى السنوية للإحصاء السكاني ,
الإستثنائي , في محافظة الحسكة , في أقصى شمال
شرقي سوريا , عندما قامت السلطات السورية
بتجريد و حرمان أكثر من مائة ألف مواطن كردي
من جنسيتهم السورية . و منذ ذلك الوقت يعاني
النسيج الوطني السوري شرخاً عميقاً جراء سياسة
التمييز المطبقة بحق الشعب الكردي .
مرت ثلاثة و أربعون عاماً على معاناة الكرد
المجردين من حقوقهم المدنية ( أجانب ) و
أبناءهم ( المكتومين ) دون أن ترف للحكومات
المتعاقبة على سدة الحكم في سوريا جفن . كما
عجزت القوى و الأحزاب الكردية عن ممارسة أي
ضغط شعبي و جماهيري بغية إرغام النظام على
تغيير سياساته بحق الشعب الكردي و رفع المظالم
عن كاهله , فتمثلت وسيلتها الوحيدة في نشر
بيانات الشجب و التنديد بذلك القرار الجائر
الصادر في عام 1962 , و تشكيل بعض الوفود من
قياداتها لملاقاة رموز السلطة الحاكمة ,
مستجدية عطفها و رحمتها على معاناة المجردين
الكرد من حقوقهم المدنية .
و عندما بدأت بعض الأحزاب الكردية في بداية
العقد الحالي , تلجأ الى التظاهر و تنظيم
الإحتجاجات السلمية في دمشق أمام مبنى
البرلمان السوري , و مجلس الوزراء رغم قلة
عدد المتظاهرين و دفعت أعضاءها في الخارج
لحث الوفود الأوروبية إثناء زياراتها للعاصمة
السورية دمشق على مناقشة الأمر مع الرئيس بشار
الأسد , إعتقد العديد من المهتمين بالشأن
الداخلي السوري بصفة عامة , و الكردي منه بصفة
خاصة , أن مرحلة جديدة و مغايرة في عمل الحركة
الوطنية الديمقراطية الكردية تلوح في الأفق ,
و ما عزز هذا الإعتقاد هو لجوء الأحزاب
الكردية الأخرى , الى تبني نفس الإتجاه بالرغم
من تحفظاتها على نهج التصعيد مع النظام الحاكم
بحجة عدم تأليب الأوساط الشوفينية بين العرب
على الشعب الكردي في سوريا.
ومع الأنتفاضة الكردية التي إنفجرت في 12 آذار
2004 في مدينة القامشلي و باقي المناطق
الكردية في سوريا , إحتجاجاً على مقتل بعض
المواطنين الكرد العزل و عدد كبير من الجرحى
برصاص قوات الأمن و الشرطة , تعززت المراهنات
على النهج التصعيدي بين الكرد أكثر فأكثر ,
على إعتبار أن حالة الإحتقان السياسي و
المجتمعي في صفوف الجمهور الكردي باتت غير
قابلة للإخفاء من خلال منطق التغاضي و التجاهل
, أو تفسيرها بمعطيات لا تمت للواقع بصلة .
فكان متوقعاً أن تعمد الأحزاب الكردية الى حسم
موقفها من النظام القائم , و عدم الإنجرار
وراء براغماتية زائفة , عملت العديد من
القيادات الكردية على تسويقها بين الجمهور
الكردي , مفادها أن بالإمكان تحقيق بعض مطالب
الكرد في ظل النظام القائم , في حين أن كل
المعطيات كانت تشير الى عكسها.
و عندما تبين , للقاصي و الداني , أن القيادات
الكردية في سوريا , تفتقد الى روح المسؤولية و
الإرادة السياسية , و لا تحاول قراءة الأوضاع
الداخلية و الدولية , عن قصد كما أعتقد , و
ترتب أوراقها حسب أهوائها و مصالحها الحزبوية
الضيقة , كان الرأي العام الكردي قد إستقر من
جديد على أوضاع أحزابها المزرية و قدراتها
المحدودة في الساحة السورية.
إن السلبية الطافحة في الأداء السياسي الكردي
, حيال قضية المجردين الكرد من الجنسية, وباقي
مطالب الكرد الأخرى , و التي تجذرت - على
إمتداد أربع عقود - في سلوك القيادات الكردية
و أحزابها , هو ما شجع النظام على إرتكاب
المزيد من التجاوزات و الممارسات العنصرية بحق
الشعب الكردي في سوريا . فلم تتوقف تلك
السياسة عند حدود تجريد الكرد من الجنسية و حق
المواطنة بهدف إنكار وجودهم التاريخي في سوريا
, و إنما إتسعت لتصل الى التفكير و التخطيط
لتنفيذ فكرة تغيير الطابع الديمغرافي للمنطقة
الكردية من خلال إستقطاع أراضي الفلاحين الكرد
و توزيعها على مواطنين عرب سوريين , تم
إستقدامهم من المحافظات الأخرى , فضلاً عن
الإستمرار في منع الكرد من التحدث بلغتهم و
تعلمها في إطار التنوع الثقافي الكائن في
النسيح الوطني في سوريا.
الأحزاب الكردية في سورية , بخلاف الأحزاب
الكردستانية في الأجزاء الأخرى , لم تستطع خلق
تجربة نضالية كردية , بصفات و تقاليد , تنسجم
مع خصوصية المسألة الكردية في سوريا , حيث
بقيت برامجها السياسية غامضة و عصية على أي
مشروع عمل لترجمتها على الأرض , بالرغم من
وجود شعب كردي مسيس , و مفعم بالحماس , يحب
أرضه و مستعد لتقديم التضحيات الثمينة من أجل
قضيته. و ما يلفت النظر , في التجربة السياسية
الكردية في سوريا , هو إفتقادها الى شخصيات
قيادية كاريزمية , تتمتع بإحترام الجمهور
الكردي , قادرة على تحقيق إلتفاف شعبي حولها ,
و إخراج المشهد الكردي من حالة الإنقسام و
التفكك . و كان بالنتيجة أن القضية الكردية
افتقدت الى الدعم و المساندة من قبل الداخل
السوري متمثلاً في المعارضة السورية , فضلاً
عن أن المسألة الكردية في سوريا بقيت متجاهلة
و مغيبة تماماً في الخارج , لعدم قدرة
التنظيمات الكردية , الضعيفة , على نسج علاقات
دولية مهمة لصالح قضية شعبها .
لهذا , فإن من المتوقع أن تبقى قضية المجردين
الكرد من الجنسية , حبيسة أدراج السلطات
السورية , دونما حل . و مع إهمال سبل حلها ,
سوف تستمر معاناة هؤلاء الكرد المظلومين ,
بسبب أوجه الحرمان التي يتعرضون لها في حياتهم
اليومية , و التي تشكل المستلزمات الأساسية من
مأكل و مشرب و ملبس و تعليم , العناوين
الأساسية لإستمرار الأنسان على قيد الحياة.
|
|